جان لوئيس بوركهارت
265
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
فهو لا يلتزم إلا بإطعامهم وكسائهم . وعلى هذا النحو دخل الجيش التركي في مصر عدد غفير من الجند السود . بل إن محمد على فكر - فيما يقال - في تنظيم فرقة من السود وتدريبها على أساليب الحرب الأوربية ، ولكن يلوح أن نفور كبار ضباطه من هذه البدعة حمله على العدول عنها . ويشترى الضباط الأتراك في مصر من ستمائة عبد إلى ثمانمائة في كل عام . وفي الأقطار الجنوبية درج العبيد - الذين اقتناهم الأهالي في بيوتهم لا الجلابة - على أن يعتبروا أنفسهم أعلى مقاما من كل فرد في الأسرة ، فيما خلا ربها . فيباح للعبد حضور مجالس الأسرة ، ويسمح له بالتجارة أو بالاشتغال بغيرها من الأعمال لحسابه الخاص ، وتطلق له الحرية في أن يفعل ما شاء إذا أثبت أنه شجاع مقدام يحسن الذود بسيفه عن سيده في ساعة الخطر . ولا حرج عليه بعد ذلك في أن يسئ أدبه أو سيرته ، وهو لا يخشى عقابا ولا تأديبا . فإذا قتل رجلا من الأحرار أدّى سيده عنه دية القتيل وإلا تعرضت أسرته لانتقام أهله ، لأنهم لا يرون في قتل العبد ما يكفى للتكفير عن دم الحر . وفي مصر وبلاد العرب يخول القانون للعبد امتيازا عظيما . فله إن تبرم بسيده وصخ عزمه على عدم العيش في كنفه أن يطلب إليه عرضه للبيع في سوق العبيد ، فيقول له : « بيعنى في سوق السلطان » . وقد يأبى مولاه بادىء ذي بدء أن يفرط فيه ، ولكن العبد - إذا ما تغلب على الخوف من إثارة سخط سيده - لن يعدم الفرصة لمطالبته بحقه هذا أمام شهود من وجوه القوم ، ثم يمضى في هذا ويلح حتى يظفر آخر الأمر بما يبغى . وقد يكون بعض العبيد أقل من غيرهم قدرة على الانتفاع بهذا الحق العام لأنهم محبوسون في الحريم لا يسمع شكاتهم غير سادتهم . وإذا توخينا غاية الاعتدال قدرنا عدد العبيد في مصر بأربعين ألفا ، ثلثاهم ذكور وثلثهم إناث . ولا تكاد تخلو قرية من عبيد ، ويقتنى كل ذي مال أو عقار عبدا على الأقل . وقد نيّف عدد العبيد الذي فتك بهم الطاعون في ربيع عام 1815 ، وبلغت عن موتهم مكاتب الحكومة ، على ثمانية آلاف في القاهرة